رغم الجهود الأمنية الكبيرة في مصر، لا تزال بعض الجرائم تُسجَّل “ضد مجهول”، تاركة وراءها علامات استفهام كبيرة. هذه القضايا، التي تتنوع بين القتل والاختفاء والوقائع الغريبة، تتحول إلى ألغاز تشغل الرأي العام وتثير الجدل لفترات طويلة. بعض التفسيرات الباراسيكولوجية تزعم أن الفاعل مجرم من عالم آخر لا يراه أحد.. وأن بعض الجرائم أصبحت مادة خصبة لأدب الرعب والخيال العلمي والفانتازيا.. فما أشهر هذه الجرائم وكيف يتعامل معها القانون؟

تتعدد أنواع الجرائم التي يُقيَّد فاعلها ضد مجهول في مصر، ومن أبرزها جرائم القتل الغامضة التي تحدث دون شهود أو أدلة كافية، بالإضافة إلى حالات الاختفاء المفاجئ التي لا يُعرف مصير أصحابها، وأحيانًا جرائم سرقة أو اعتداء تتم بأساليب غير تقليدية.

مجزرة بني مزار

في شتاء عام 2005، استيقظ أهالي عزبة شمس الدين، التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا، على وقع جريمة هزّت القرية بأكملها. لم يكن صباحًا عاديًا؛ فقد تحولت البيوت الهادئة إلى مسارح لمذبحة مروعة راح ضحيتها عشرة أشخاص من ثلاث أسر.

داخل المنزل الأول، عُثر على سيد محمود محمد عبده وزوجته صباح، ومعهما طفلاهما أحمد وفاطمة، جثثًا هامدة فوق أسرتهم، وقد بدت آثار العنف واضحة على أجسادهم. وفي المنزل الثاني، كان المشهد لا يقل قسوة؛ إذ وُجد طه عبد الحميد، المحامي، مقتولًا داخل غرفته، وبجواره والدته التي لقيت المصير ذاته. أما المنزل الثالث، فقد احتضن مأساة أخرى، حيث قُتل يحيى محمد أبو بكر وزوجته نعمات، ومعهما طفلاهما محمود وأسماء، بالطريقة نفسها، في مشهد زاد من غموض الحادثة، خاصة مع ملاحظة تفاصيل غريبة داخل المكان.

مع تصاعد الذهول والخوف بين الأهالي، بدأت التحقيقات، وأشارت أصابع الاتهام إلى أحد أبناء القرية، محمد عبد اللطيف، الذي تم القبض عليه واتهامه بارتكاب الجريمة. غير أن القضية أخذت منعطفًا غير متوقع، حين قضت محكمة الجنايات ببراءته، مستندة إلى تناقضات في اعترافاته، وعدم منطقية قدرته على تنفيذ جريمة بهذا الحجم في وقت قصير.

وهكذا، بقيت مذبحة بني مزار واحدة من أكثر الجرائم غموضًا في الذاكرة المصرية، لغزًا مفتوحًا بلا إجابة، وقضية قُيدت ضد مجهول، رغم مرور السنوات.

ماذا حدث في فيلا الرحاب؟

في مايو عام 2018، خيّم الصمت الثقيل على إحدى فيلات مدينة الرحاب، بعدما تحولت إلى مسرح لجريمة مأساوية راحت ضحيتها أسرة كاملة مكوّنة من خمسة أفراد. داخل الغرف، عُثر على الأب عماد سعد، وزوجته وفاء فوزي، وأبنائهما الثلاثة محمد ونورهان وأحمد، وقد فارقوا الحياة متأثرين بطلقات نارية.

منذ اللحظة الأولى، بدت الجريمة غامضة؛ فلم تظهر آثار اقتحام أو بعثرة في محتويات الفيلا، وكأن كل شيء كان هادئًا قبل وقوع الكارثة. وُجد سلاح ناري بجوار إحدى الجثث، إلى جانب فوارغ طلقات بلغ عددها إحدى عشرة طلقة، وهي من العيار نفسه المستخدم في السلاح المضبوط، بينما توزعت جثامين الضحايا في أماكن متفرقة داخل المنزل.

استمرت التحقيقات لأشهر طويلة، حيث فحصت أجهزة الأمن كاميرات المراقبة، ووسّعت دائرة التحريات لتشمل علاقات الأسرة وتعاملاتها. كما استمعت النيابة إلى عشرات الشهود من الأقارب والجيران والعاملين في محيط المكان، في محاولة لفك خيوط اللغز. ولمزيد من الدقة، شُكّلت لجنة من كبار خبراء الطب الشرعي لإعداد تقرير مفصل عن الواقعة.

ورغم كل هذه الجهود، ظلّت الحقيقة غائبة، وبقيت الجريمة واحدة من القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا، دون أن يُحسم لغزها أو يُحدَّد المسؤول عنها بشكل قاطع.

مأساة صوفي ولودي

من غموض جريمة الرحاب، تمتد الحكاية إلى واقعة أخرى لا تقل إثارة للحيرة، هي مقتل الشقيقتين «صوفي» و«لودي»، ابنتي توفيق أندراوس، عضو مجلس النواب الذي أعقب ثورة 1919. ففي عام 2013، داخل قصر العائلة بمدينة الأقصر، كُشف عن جريمة صادمة بعدما عُثر على جثتي الشقيقتين، كل واحدة في غرفة منفصلة، وقد بدت عليهما آثار اعتداء بآلة حادة.

كانت السيدتان تعيشان بمفردهما داخل القصر، بعيدًا عن الأضواء، إلى أن بدأت خيوط القصة حين لاحظ محاميهما، عريان عزيز، انقطاع التواصل معهما بشكل مريب. حاول الاتصال مرارًا، وتوجّه إلى القصر، لكنه لم يتلقَّ أي استجابة، رغم طرق الباب ورنين الجرس لأيام متتالية، ما دفعه لإبلاغ الشرطة.

عند وصول قوة الأمن، تم كسر باب القصر، لتنكشف المأساة في الداخل. ومع اتساع دائرة التحقيقات، ظل الغموض يخيّم على تفاصيل الجريمة، دون دلائل حاسمة تقود إلى الجاني. ورغم مرور سنوات طويلة، بقيت القضية لغزًا مفتوحًا، يضاف إلى سجل الجرائم التي حيّرت الجميع دون إجابة واضحة.

الرأي القانوني

يقول محمد عوض الله، محامي بالنقض، وخبير قانوني في جرائم القتل العمد، إن القانون لا يعترف بفكرة وجود قاتل من عالم آخر أو أن "الجن" هو الذي ارتكب هذه الواقعة أو أنه هو الذي أشعل الحرائق في قرية من القرى أو أنه هو الذي ذبح أسرة بأكملها، فكل هذه الأمور الغيبية يتناقلها البعض من أجل إثارة الفضول ليس أكثر، وليست هناك جرائم مكتملة، بل إن أكثر من 95% من الجرائم يتم التوصل للجاني الحقيقي، لكن هناك جرائم تتمتع بخصوصية شديدة بسبب ظروف ارتكابها وعدم وجود أدلة كافية، فضلا عن غرابتها وضخامة ضحاياها، وبالتالي يكون من الصعب وجود متهم واحد، ولكن العدالة لا تتوقف مطلقا عن محاولة البحث والتحري.

ويضيف عوض الله أنه من الناحية القانونية، تُعدّ هذه الوقائع من جرائم القتل العمد، وهي من أخطر الجرائم التي يوليها القانون أقصى درجات الاهتمام والعقوبة. فإذا ثبت أن الجريمة ارتُكبت بقصد وإرادة، وباستخدام وسيلة قاتلة، فإنها تُكيَّف قانونيًا كقتل عمد، وقد تشتد العقوبة في حال توافر ظروف مثل سبق الإصرار أو تعدد الضحايا، لتصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد، وفقًا لملابسات كل واقعة.

ويذكر عوض الله أن الجهات المختصة تبدأ تعاملها مع مثل هذه الجرائم بإجراءات تحقيق دقيقة، حيث يُجرى فحص شامل لمسرح الجريمة، وجمع الأدلة المادية كالبصمات وآثار الدماء، وفحص الأدوات المستخدمة، إلى جانب الاستعانة بتقارير الطب الشرعي لتحديد سبب الوفاة وتوقيتها. كما يتم الاستماع إلى الشهود، وتحليل تسجيلات كاميرات المراقبة، وتتبع أي خيوط قد تقود إلى كشف ملابسات الحادث. وفي الحالات التي يكتنفها الغموض ولا تسفر التحريات عن تحديد الجاني، تُقيَّد القضية مؤقتًا «ضد مجهول»، مع بقاء الباب مفتوحًا لإعادة التحقيق متى ظهرت أدلة جديدة. وتظل هذه القضايا قائمة في سجلات العدالة، وقد يُعاد إحياؤها بعد سنوات إذا طرأت معطيات حديثة.

ويضيف تضطلع النيابة العامة بدور محوري في إدارة التحقيقات وجمع الأدلة، ثم تُحال القضية إلى المحكمة إذا توافرت قرائن كافية. أما إذا لم ترقَ الأدلة إلى مستوى الإدانة، فإن القضاء يقضي بالبراءة، انطلاقًا من مبدأ أساسي هو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بشكل قاطع. ورغم صرامة الإجراءات القانونية، تواجه هذه القضايا تحديات كبيرة، مثل غياب الشهود، أو ضياع الأدلة، أو تعقيد تفاصيل الجريمة. ولهذا قد تبقى بعض الوقائع دون حل نهائي، لا لقصور في القانون، بل لعدم وجود دليل حاسم يمكن أن يُبنى عليه حكم بالإدانة.