يظل العقار رقم «23 أ» في شارع محمد مظهر بالزمالك مكانا مسكونا بالأحداث الغامضة، حيث يضم هذا العقار شقة الفنان ذكرى، والتي شهدت حادث إطلاق النار الذي أودى بحياتها هي وزوجها رجل الأعمال أيمن السويدي، وهي واحدة من الوقائع الصادمة التي تركت خلفها علامات استفهام كثيرة، ورغم إغلاق ملف القضية إلا أن الشقة ظلت موضوعا مثيرا للجدل في تقارير الصحف والفضائيات بعدما تردد أنها مسكونة بالأشباح.. فماذا حدث بالضبط؟.. في السطور التالي قررنا أن ننتقل للمكان في مغامرة صحفية للكشف عن صحة ما يتردد حول عفاريت شقة ذكرى، فكان هذا التقرير:

تعود وقائع القضية إلى يوم28 نوفمبر 2003 حيث أطلق رجل الأعمال أيمن السويدي النار من رشاش 21 رصاصة على زوجته المطربة التونسية ذكرى بعد مشادة معها ثم عاجل مدير أعماله عمرو حسن صبري وزوجته خديجة صلاح حافظ أثناء وجودهما معه في صالة الشقة. وبعد ذلك أدخل ماسورة أحد المسدسين في فمه وأطلق منها رصاصة أنهت حياته.

جاء تقرير مصلحة الطب الشرعي بعد عدة أيام من وقوع الجريمة، متضمناً تفاصيل دقيقة لما حدث. وأوضح التقرير أن الشقة، رغم اتساعها، مزودة بمواد عازلة للصوت على الجدران، وهو ما يفسر عدم سماع عدد كبير من الطلقات بشكل واضح من الخارج.

وأشار التقرير إلى أن الضحية “ذكرى” تعرضت لإطلاق 25 رصاصة، منها 22 في منطقتي الصدر والبطن، إضافة إلى إصابة واحدة في الذراع اليسرى وأخرى في الذراع اليمنى وثالثة في الفك السفلي، ما أدى إلى تهتك في أحشاء البطن ووجود تجمع دموي متجلط داخلها. كما بيّن التقرير أنها لم تفارق الحياة فور إطلاق النار، بل ظلت على قيد الحياة لأكثر من ربع ساعة، بعد أن أصيبت أولاً برصاصتين ثم أُطلقت عليها باقي الطلقات في مناطق متفرقة من جسدها.

وأوضح أيضاً أن الذخيرة المستخدمة في الجريمة كانت من عيار 9 مم (عيار 45 حسب الوصف الوارد بالتقرير).

وفيما يتعلق بعمرو الخولي، مدير أعمال أيمن السويدي، فقد ذكر التقرير أنه تلقى 29 رصاصة في أنحاء متفرقة من الجسم، خاصة في الصدر والبطن والرئتين والذراعين، ما تسبب في تهتك بالأحشاء.

أما أيمن السويدي نفسه، فأثبت التقرير أنه أنهى حياته منتحراً بإطلاق رصاصة واحدة باستخدام سلاح مختلف عن السلاح الآلي والمسدس المستخدمين في ارتكاب الجريمة بحق الضحايا الثلاثة.

عفاريت في مسرح الحادث

بعض جيران العقار تحدثوا معنا عن شائعات سماع أصوات تشبه جرس الباب يتكرر دقّه أكثر من مرة دون وجود زائرين أو تفسير واضح، خصوصًا مع بقاء الطابق الذي وقعت فيه الجريمة مهجورًا إلى حد كبير منذ الحادث، ما جعل مثل هذه الروايات تتناقل بين السكان والعاملين في العقار دون تأكيد رسمي أو أدلة موثقة.

في البداية حاولنا الحديث مع الحارس المباشر للعقار نفسه، وعندما بادرناه بالسؤال ظهرت على الرجل ملامح التوتر الشديد، وبدأ يتهرب من الأسئلة، وقاطعنا بقوله إنه لا يريد أن يسمع شيئا عن هذا الموضوع، وإنه غير مسموح لأحد بالحديث عن هذه القصة مرة أخرى.

تركنا هذا الرجل، لنجد حارسا آخر يدعى عم محمد عبدالقادر، يعمل في جراج مجاور، حيث تحدث إلينا بشيء من الطمأنينة، مؤكدا أنه سمع الكثير من الشائعات حول الشقة المسكونة لكنه لم يشاهد ذلك بنفسه، مثل موضوع الأسانسير الذي يتوقف فجأة في الطابق في نفس موعد ارتكاب الجريمة، والأصوات الغريبة التي تخرج من الشقة وغيرها، وأكد عم محمد أن هذه الشائعات دفعت شقيق أيمن السويدي، ويدعى محمد، إلى التقدم ببلاغ إلى النيابة طالب فيه بإعادة معاينة موقع الحادث مرة أخرى، على خلفية ما ذكره من شكاوى سكان العقار وتداول روايات غير مؤكدة حول ظهور أصوات أو ظواهر غامضة في الشقة.

وبحسب هذه الروايات التي سمعناها من أحد الجيران، رفض ذكر اسمه، فقد أقدم أحد الحراس في النهاية على إبلاغ محمد السويدي، شقيق رجل الأعمال أيمن السويدي، بما يتم تداوله داخل العقار، وطالبه بالنظر في إعادة فتح الشقة أو التعامل معها بشكل يخفف من حالة القلق بين العاملين والسكان، ومن ضمن ما نُقل أنه طُرح تشغيل إذاعة القرآن الكريم داخلها في محاولة لتهدئة الأجواء.

آثار دماء على الجدران

عرفنا من خلال السكان بالفعل، أن محمد السويدي، شقيق رجل الأعمال أيمن السويدي، تقدم ببلاغ إلى نيابة قصر النيل طالب فيه بالإذن بإعادة فتح الشقة محل الواقعة، والتي كانت مغلقة بالشمع الأحمر منذ وقوع الجريمة بقرار من النيابة.

وقد لقي البلاغ اهتمامًا من الجهات المختصة، التي قررت إعادة فتح الشقة مرة أخرى لمعاينتها والتأكد من طبيعة ما تم الإبلاغ عنه. ورافقت قوة من رجال المباحث محمد السويدي أثناء توجهه إلى مكان الحادث، في ظل حالة من الترقب والفضول حول ما يُتداول بشأن الشقة.

وخلال المعاينة، سادت حالة من الهدوء داخل المكان، إلا أن آثار الحادث كانت لا تزال واضحة، حيث لم تُجرَ أعمال تنظيف منذ إغلاق الشقة عقب الجريمة، فبقيت آثار الدماء على الجدران والأثاث كما هي، ما أعطى المكان طابعًا شديد القسوة وكأن الواقعة حدثت حديثًا، وفق ما ورد في وصف المعاينة.

أثناء انتقال رجال المباحث داخل الشقة، وتحديدًا في غرفة نوم الفنانة ذكرى، لاحظوا واقعة غير معتادة تمثلت في فتح أحد النوافذ بشكل مفاجئ ودون وجود سبب ظاهر. وبحسب ما انتهت إليه المعاينة، فقد تبين أن الشباك فُتح من الداخل وليس من الخارج، دون وجود آثار عنف أو اقتحام، ما دفعهم إلى التحقق من جميع محتويات الشقة.

وخلال الفحص، تبيّن أن مقتنيات الشقة كانت في حالة سليمة إلى حد كبير، وهو ما استبعد معه رجال البحث الجنائي فرضية السرقة أو العبث بالمكان، لكنهم لم يتوصلوا إلى تفسير واضح لواقعة فتح النافذة أو كيفية حدوثها، الأمر الذي ترك عدة تساؤلات دون إجابة حاسمة.

وعند سؤال الحراس، جاءت إفاداتهم مختلفة ومتباينة؛ إذ ذكر أحدهم أنه سمع أصواتًا غير واضحة ليلاً داخل الشقة، بينما أشار آخر إلى أن المصعد كان يتحرك أحيانًا دون طلب، ويتوقف عند الطابق الذي تقع فيه الشقة، وهو ما أثار لديهم شعورًا بالقلق، خاصة مع طبيعة الهدوء النسبي داخل العقار.

بيع الشقة في المزاد

وفي سياق لاحق، وبسبب تراكم الديون المستحقة على مالك العقار، تم عرض الشقة للبيع ضمن إجراءات قضائية، إلا أن المزادات الأولى لم تنجح في إتمام البيع، وسط تردد من بعض المشترين نتيجة ما أُشيع حول الحادثة.

في أغسطس 2009، صدقت محكمة تجارى شمال القاهرة برئاسة المستشار أسامة الغندور وعضوية المستشارين محمد حسان ومحمد عبد الحميد وإبراهيم أيوب وأمانة سر أحمد عبد السلام على بيع شقة الفنانة الراحة ذكرى وأيمن السويدى إلى رجل الأعمال المصرى طارق أبو السعود بمبلغ 6 ملايين و200 ألف جنيه، الكائنة بشارع حسن مظهر بحى الزمالك بعد سنوات من الحادث الشهير، كانت جلسة المزاد بدأت بمبلغ 5 ملايين و850 ألف جنيه، وبحضور كل من رجل الأعمال وممثل مجموعة الكحكى وبعد أن استمرت قرابة الـ6 ساعات بلا مشترٍ انسحب ممثل الكحكى بعدها عند مبلغ 6 ملايين 150 ألف جنيه؛ ليفوز رجل الأعمال بالشقة بمبلغ 6 ملايين و200 ألف جنيه.

يذكر أنه بعد الحادث تناقلت الشائعات عن وجود أشباح داخل هذا المنزل؛ الأمر الذى جعل المشترين يبتعدون عن شرائها إلا أن إدارات البنوك الـ14 التى تمتلك مديونية السويدى قررت بيعها فى مزاد علنى، للوصول إلى أعلى ثمن فى الشقة بكل مقتنياتها، حيث تحتوى الشقة على مجموعة من الملابس والتحف والإكسسوارات التى قدرت وقتها بملايين الجنيهات.