في ظل الأزمات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية، تتسع ظاهرة اللجوء إلى الدجالين والمشعوذين في مصر بشكل لافت، لتتحول من ممارسات وعادات وتقاليد شعبية إلى “اقتصاد خفي” يُدر أرباحًا ضخمة. وبينما يسعى المواطن لحل مشكلاته النفسية أو الأسرية أو الصحية، يجد نفسه أحيانًا فريسة لشبكات منظمة تستغل حاجته، وتحوّل الخرافة إلى تجارة مربحة.. فكم يبلغ إنفاق المصريين على الدجل والغيبيات؟ وكيف يمكن علاج هذه الظاهرة؟
الذي دفعنا لفتح هذا الملف هو مناقشة مجلس الشيوخ مؤخراً للقضية، حيث تقدم الشيخ أحمد تركي، أمين سر لجنة الشئون الدينية بمجلس الشيوخ، بمقترح لمواجهة ظاهرة الدجل والسحر والشعوذة، مؤكدًا أن المقترح يستند إلى ثلاثة محاور رئيسية تستهدف حماية المجتمع وتعزيز الوعي العام. يشمل المحور الأول إعداد تشريع جديد يجرّم بشكل صريح كافة أعمال الدجل والسحر والشعوذة، إلى جانب ادعاء معرفة الغيب أو ممارسة أنشطة مثل قراءة التاروت، حتى في حال عدم اقترانها بالحصول على أموال، وذلك بهدف فرض رادع قانوني حاسم يحد من انتشار هذه الظواهر. أما المحور الثاني فيعتمد على إطلاق حملة توعوية وطنية تقودها وزارة الأوقاف، تستهدف رفع وعي المواطنين بمخاطر الدجل والخرافة، وتسليط الضوء على آثارها السلبية على الأفراد والمجتمع، مع الاستعانة بمراكز بحثية متخصصة لرصد أماكن انتشار هذه الممارسات. كما يتضمن المقترح كذلك حظر المواقع والمنصات الإلكترونية التي تروج للدجل والشعوذة، إلى جانب توجيه وسائل الإعلام نحو معالجة الظاهرة بأساليب تعليمية وتوعوية، بدلًا من تقديمها بشكل ترفيهي أو الترويج لها بصورة غير مباشرة.
40 مليار جنيه سنويًا.. تقديرات
الشيح أحمد تركي أكد أيضا في بيان رسمي، حصل موقع "مورستان" على نسخة منه، أن ظاهرة اللجوء إلى الدجالين والعرافين لا تقتصر على فئات بعينها، بل تمتد لتشمل متعلمين وأصحاب فكر، لافتًا إلى أن الانسياق وراء هذه الممارسات يعطل التفكير النقدي ويؤثر سلبًا على مسارات التنمية. وكشف أن حجم إنفاق المصريين على أعمال الدجل والشعوذة يُقدّر بنحو 40 مليار جنيه سنويًا، وهو ما يمثل عبئًا اقتصاديًا كبيرًا وتهديدًا مباشرًا للاقتصاد الوطني، فضلًا عن تأثيره السلبي على الوعي المجتمعي.
وأوضح عضو مجلس الشيوخ أنه من المتوقع إحالة المقترح إلى الجهات المختصة لدراسته ووضع آليات تنفيذه، سواء من خلال إصدار التشريع الجديد، أو إطلاق حملات توعية، أو اتخاذ إجراءات لضبط المحتوى الإعلامي والإلكتروني، بما يضمن حماية المجتمع من الاستغلال الفكري والمالي.
واختتم بالتأكيد على أن هذه الخطوة تمثل بداية مهمة نحو مواجهة ظاهرة تهدد العقل الجمعي، وتؤثر على قدرة الأفراد على اتخاذ قرارات رشيدة، مشددًا على ضرورة تكاتف جميع مؤسسات الدولة للتصدي لهذه الظاهرة وترسيخ ثقافة العلم والعقل.
مغامرة محرر مورستان مع معالج روحاني: الكشف بتذكرة فئة 200 جنيه
أحد مراكز الدجل والشعوذة تقع في قلب محافظة الجيزة، وتحديدا منطقة إمبابة، حيث قررنا أن نخوض تجربة الكشف عن تفاصيل عمل هذا المركز وكم يتقاضى من الزبائن، فوجدنا أن هناك المئات من نوعية هذه المراكز التي تعمل في الخفاء بعيدا عن أعين الحكومة، حيث تعلن عن نفسها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبعضها يتخفى تحت ستار العلاج بالأعشاب.. عندما ذهبت إلى هذا المركز الذي يقع في منطقة شعبية، شعرت أن هناك حالة من الترقب تجاه الغرباء، في البداية قابلين رجل ذي لحية كثيفة، وطلب مني أن أقوم بقطع تذكرة العلاج أو الكشف بقيمة 200 جنيه، قبل أن أقابل المعالج الروحاني، وكان يوجد بالمركز العشرات من الزبائن، انتظرت دوري، وعندما دخلت للمعالج قرأ بعض الآيات القرآنية والأذكار ثم قال لي "ماعندكش حاجة" ثم طلب مني أن أشتري بعض الأعشاب من أجل "التحصين"، واشترط أن أشتري هذه الأعشاب من المركز نفسه.
خبير اقتصادي: اقتصاد خفي ولا توجد إحصائيات رسمية
الحقيقة أنه لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة من جهاز التعبئة العامة والإحصاء تحدد رقمًا نهائيًا لحجم الإنفاق على الدجل والشعوذة، لأن هذا النشاط يتم غالبًا في الاقتصاد غير الرسمي (السري)، وبالتالي يصعب قياسه مباشرة. في هذا الإطار يقول الدكتور أحمد سامي، باحث وخبير اقتصادي، إن هناك بعض الأنشطة التي يمارسها الآخرون في الخفاء، هذه الأنشطة تدخل ضمن دائرة تسمى الاقتصاد غير الرسمي أو الخفي، ومن المؤسف أن هذا النوع من النشاط يتضمن الإنفاق غير الواعي على مطالب الدجالين والتي تتمثل فيما يطلق عليه "فك الأعمال السفلية"، "جلب الحبيب"، "فك الربط"، و"عمل الأحجبة"، "رد الأشياء الضائعة"، و"طلب العلاج الروحي"، وشراء أنواع معينة من البخور والمركبات أو خلطات العطارة، فضلا عن أجر الدجالين أنفسهم والتي قد تصل في بعض المناطق الراقية إلى 10 آلاف جنيه، ومع الأسف هذه الظاهرة لا ترتبط بمستوى التعليم أو الوسط الاجتماعي، حيث ينفق الفقراء والأثرياء بنفس الطريقة وإن اختلف حجم الإنفاق بطبيعة الحالة.
ويضيف سامي أنه لا توجد إحصائيات دقيقة، وكل ما يقال مجرد تقديرات أو أرقام، وقد سبق وأن أعلنت وزارة الأوقاف المصرية أن الرقم المتوقع يشير إلى أن المصريين ينفقون نحو 10 مليارات جنيه سنويا على الشعوذة، كما تكشف دراسات سابقة أن الإنفاق تراوح بين 10 إلى 22 مليار جنيه سنويًا في فترات سابقة، ما يعكس تصاعدًا ملحوظًا في حجم السوق، في حين وصل الرقم وفق تقديرات أخرى إلى نحو 40 مليار جنيه، وفي كل الأحوال نحن أمام ظاهرة مستمرة ومنتشرة، حيث يلجأ البسطاء إلى هذا النوع من الدجل وهو ما يخلق سوقا خفيا يطلق عليه بعض خبراء الاقتصاد مسمى "اقتصاد الخوارق"، وهو الأكثر انتشارا في الدول النامية. ولم يعد الدجل نشاطًا فرديًا بسيطًا، بل أصبح “صناعة” قائمة على استراتيجيات تسويق حديثة: صفحات على مواقع التواصل تستهدف الضحايا قنوات فضائية وبرامج تروج للخرافة، تفاوت أسعار الخدمات من مبالغ بسيطة إلى آلاف الجنيهات للجلسة الواحدة، وتؤكد تقارير أن بعض الدجالين يعتمدون على الابتزاز الإلكتروني بعد استدراج الضحايا، مخاصة عبر الإنترنت، ما يحول النشاط إلى جريمة منظمة
علم الاجتماع: الظاهرة ليست مجرد انحراف فردي بل تعبير عن “أزمة وعي”
لا يقف الأمر عند الإنفاق فقط، إذ تشير دراسة للمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية إلى وجود نحو 300 ألف دجال ومشعوذ في مصر، مع تركز كبير في القاهرة وحدها، وفقا لهذه الدراسة يرى علماء الاجتماع أن انتشار الظاهرة مرتبط بعدة عوامل: الفقر والبطالة: حيث تزيد معدلات اللجوء للخرافة في المناطق الأقل دخلًا، ثانيا الجهل وضعف التعليم وهو ما يضعف التفكير النقدي، ثالثا الضغوط النفسية والاجتماعية: مثل تأخر الزواج أو المرض والثقافة الشعبية، وأخيرا وسائل الإعلام والتي تمارس دورا سلبيا أحيانا في تكريس فكرة السحر والحسد، وتشير الدراسات إلى أن ما يصل إلى 274 خرافة تتحكم في سلوكيات بعض فئات المجتمع المصري.
وتقول الدكتورة بسنت سمير، الباحثة في علم الاجتماع، أن الظاهرة ليست مجرد انحراف فردي، بل تعبير عن “أزمة وعي”: فالدجال يستغل الجهل لدى الأفراد، فضلا عن غياب الثقة في المؤسسات الرسمية يدفع البعض للبحث عن حلول بديلة، كما أن الخرافة تمنح شعورًا زائفًا بالسيطرة على المجهول أو علاج الأمراض المزمنة، ولا تقتصر أضرار الدجل على الخسائر المالية، بل تمتد إلى: تفكك أسري بسبب قرارات مبنية على أوهام، وجرائم ابتزاز ونصب، وأحيانًا جرائم عنف وقتل نتيجة الاعتقاد بالسحر، ومع الأسف لا تزال الأسر المصرية تعتقد في دور هؤلاء الدجالين، في حل الكثير من المشاكل المستعصية، مثل تأخر سن الزواج أو عدم الإنجاب والعقم، أو فك السحر والأعمال، وأن كم الخرافات والخزعبلات التي تتحكم في سلوك المصريين تزداد رغم تطور العلم والتكنولوجيا. وقديما، كانت هذه المهنة يمارسها عدد قليل من المشعوذين، وعكستها السينما المصرية، وارتبطت بعبارات شهيرة للمشعوذين، ولكنها توسعت الآن لتصبح "بيزنس"، يلتحق به بعض العاطلين وراغبو جمع المال، وأصبح طابور بيزنس الدجالين، هو أحد فروع الاقتصاد السري غير المشروعة.
صور الموضوع
موضوعات مرتبطة
تقارير
طلاسم ورسومات أسطورية.. لماذا فشل العلماء في فك ألغاز المخطوطات الغامضة؟
بينما نعيش في عصر يعتقد فيه الإنسان أنه فك شفرة الجينوم البشري ووصل إلى حافة الكون، تقف بضع صفحات من الورق العتيق أمامنا بكل شموخ، لتعلن عجز التكنولوجيا والمنطق معا في تفسيرها.. إنها "المخطو
تقارير
مغامرة صحفية خلف ستار الروحانيات.. نكشف أسرار الدجل الرقمي على السوشيال ميديا
في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة "الدجل الرقمي" كواحدة من أخطر الجرائم التي تستهدف الابتزاز النفسي والمادي. لم يعد الدجال يحتاج لطقوس تقليدية، بل أصبح "خوارزمياً" ي
تقارير
»مورستان« في جزيرة الموتى.. روايات مخيفة يحكيها سكان القرافة بالسيدة عائشة!
يعيش سكان المقابر في الإباجية والسيدة عائشة والإمام الشافعي حياة قاسية للغاية، حيث يفترشون الأحواش والجبانات القديمة والبيوت المتهالكة الواقعة داخل جزيرة في قلب المقابر من أول القلعة حتى الب
تقارير
سراديب الموتى وجزيرة الدمى.. إليك أغرب وجهات سياحة الرعب العالمية
سياحة الرعب (أو السياحة المظلمة/السوداء) هي نوع من السفر يستهدف المواقع المرتبطة بالموت، الكوارث، الأساطير الخارقة، أو المآسي التاريخية، بحثاً عن الإثارة والمغامرة. تشمل الوجهات الشهيرة قلاع