يعيش سكان المقابر في الإباجية والسيدة عائشة والإمام الشافعي حياة قاسية للغاية، حيث يفترشون الأحواش والجبانات القديمة والبيوت المتهالكة الواقعة داخل جزيرة في قلب المقابر من أول القلعة حتى البساتين، بعضهم يروي قصصا غريبا وأصوات مخيفة قادمة من خلف أبواب الجبانات في حين يعيش الآخرون حياة هادئة ومطمئنة.. في السطور التالي قررننا أن نكشف عن ملامح هذه الحياة وكيف يعيش هؤلاء وسط الأموات.

خلف ضجيج العاصمة وصورتها المزدحمة، تمتد عوالم خفية لا يلتفت إليها كثيرون، حيث تتحول أماكن الموت إلى ملاذٍ للحياة. في مدينة الموتى، لا تروي الشواهد حكايات الراحلين فقط، بل تحتضن بين جدرانها تفاصيل يومية لأحياء وجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع الفقر وندرة السكن. هنا، لا تُعدّ المقابر مجرد مدافن، بل مساحات معيشة اضطرارية، تتداخل فيها الخصوصية مع التاريخ، والإنسان مع المكان، في مشهد يكشف جانبًا صادمًا من واقع اجتماعي يفرض نفسه خارج حدود الاختيار.

في البداية التقينا أسامة صالح، أحد سكان قرافة السيدة عائشة، حيث يقول: أعيش هنا منذ 25 سنة، حيث أسكن في حوش الفنان زكي رستم، وكان يخاف يطلع القرافة زمان، ولم يكن يأتي هنا إلا عند وفاة قريب له، وأغرب موقف أخافني وأنا صغير، هو أنني تخيلت أنني رأيت شخصا غير طبيعي حيث كانت قدماه أشبه بـ"قدمي المعزة"، فسألت أمي فقالت لي "ده عفريت خليك بعيد"، ومنذ ذلك الموقف أصبحت أنظر لأقدام كل واحد أراه في المقابر، وكان مخي صغيراً وقتها لكنني كبرت الآن ولم أعد أهتم بمثل هذه الخيالات.

وتابع أسامة: "الحمد لله عندنا كهرباء ومياه في المقابر والدنيا عمار وونس، ولم أرى أحدا يدفن أي أسحار لكن أذكر مثلا أنه كانت هناك عادات وتقاليد عتيقة وغريبة، فمثلا في إحدى المرات جاءت سيدة وزوجها وطلبا مني فتح مقبرة حتى تشعر بالخضة عندما تنزل وترى الأموات، وذلك لأنها كانت محرومة من الإنجاب، فنصحها البعض بهذه الفكرة لعلها تحمل وتلد، والقرآن يبطل أي سحر والنية الخالصة تدمر كل السحرة.

أصوات غريبة

أما أحمد علي، طالب نظم ومعلومات، فيقول: "ساعات كنت أسمع أصوات غريبة الساعة 2 بالليل، وكنت أشعر برهبة، ولكن تعودت على هذه الحياة، طالما أصلي وأعرف ربنا لن يمسني أي ضرر، أغرب موقف أنني سمعت صوتا عاليا جدا، لأن المكان الذي أسكن به يقع تحت المقابر، والأصوات الشاذة التي أسمعها عبارة عن زعيق أو صريخ. وفيه ناس عقولها خفت جدا بسبب هذه المواقف".

أما فاطمة حسن إسماعيل، فتقول: "بيتنا وقع، فلم أجد مأوى إلا القرافة، وأخذت غرفة واحدة وحمام بإيجار 1000 جنيه في الشهر، وأعيش مع ابني، والأغنياء يعطوننا أموالا وأكلا وشرابا، ولم أشعر بأي شيء غريب في المكان، فنحن جميعنا موحدون بالله، هنا أحلى عيشة وأخلى ناس ونحن غلابة فعلا ولكن ربنا معنا".

ويقول عصام رمضان، 64 سنة، حياتنا كلها في القرافة: اعتدنا على السكن في القرافة، والغريب ممكن يخاف، لكن بالنسبة لنا القرافة جزء من حياتنا، ونحن نعيش في جزيرة في قلب المقابر فعلى اليمين والشمال مقابر، والمنطقة لها تاريخ، فالملك فاروق مدفون هنا في حوش الباشا، وعندنا مثل يقول "اللي ما يجيش على رجله هاييجي على ظهره"، وأنا شخصياً لم أشاهد شيئا غريبا، والدنيا هنا أمان، كما أننا نعيش وسط المشاهير مثل فريد الأطرش وأم كلثوم.

أعداد تقريبية لسكان المقابر

لا توجد إحصاءات دقيقة تحصر أعداد سكان المقابر في القاهرة بشكل كامل، إلا أن تقرير التنمية الاجتماعية الثالث الصادر عن منظمة الإسكوا التابعة للأمم المتحدة عام 2019 يشير إلى أن المقابر في العاصمة تضم نحو 250 ألف “حوش”، بينما تتركز الكتلة السكانية داخل الأحواش القريبة من المناطق العمرانية، خاصة تلك المزودة بشبكات مياه وخدمات أساسية.

وتوضح التقارير أن ظاهرة السكن في المقابر ليست حديثة بالكامل، إذ تعود جذورها إلى ما قبل النصف الثاني من القرن العشرين، لكنها شهدت توسعًا ملحوظًا خلال الستينيات والسبعينيات. كما قدّر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2008 أعداد المقيمين في هذه المناطق بما يتراوح بين مليون ومليوني نسمة.

وبحسب هذه المصادر، بدأت الظاهرة في الأساس عندما تم تعيين بعض الأسر كحراس للمقابر، قبل أن تتحول مع بداية الستينيات إلى نمط سكني أكثر اتساعًا، مع انتقال أسر هؤلاء الحراس من الأقاليم للإقامة معهم ضمن موجات الهجرة الداخلية. ومع أحداث نكسة 1967 ونزوح أعداد كبيرة من سكان مدن القناة، لجأ بعض الفقراء ممن لم يتمكنوا من الحصول على مساكن بديلة إلى الاستقرار في المقابر القريبة من القاهرة، وهو الاتجاه الذي تعزز لاحقًا مع تفاقم أزمة الإسكان وسياسات الانفتاح الاقتصادي، ما دفع شرائح إضافية للبحث عن مأوى في هذه المناطق الهامشية.

 

فيديوهات من داخل جزيرة الموتى: