بين كثافة الأحراش وظلال الغابات الغامضة في شمال غرب الولايات المتحدة وأجزاء من غرب كندا، ينسج الخيال والواقع قصة واحد من أكثر الألغاز إثارة للجدل؛ إنه "بيج فوت" (Bigfoot) أو كما يُعرف بـ "ساسكواتش" (Sasquatch). ذلك المخلوق الذي يُزعم أن طوله الفارع يتراوح ما بين 7 إلى 10 أقدام (أي ما يعادل 2.1 إلى 3 أمتار)، متخفياً خلف فراء داكن كثيف يمنحه قدرة فائقة على التمويه وسط موطنه. وبملامح وجه تُشبه الغوريلا، حيث الأنف العريض المسطح وبروز عظم الحاجب فوق عينين غائرتين وجبهة منحدرة، يطل علينا هذا الكائن كلغز لم يستطع أحد حله؛ فليست ملامحه فقط هي ما تثير الدهشة، بل تلك الآثار الضخمة لأقدامه التي تفوق أقدام البشر..

لا يزال الباحثون المتحمسون في "علم الحيوانات الخفية" (Cryptozoology) يدافعون باستماتة عن فرضية وجود هذا الوحش الضخم والمشعر في تلك الأصقاع النائية، مما يطرح التساؤل الجوهري: هل نحن أمام حقيقة، أم مجرد أسطورة غذتها الرغبة في اكتشاف المجهول؟

تتجلى الفجوة العميقة في ملف "بيج فوت" بين إيمان المتحمسين وتشكيك المجتمع العلمي؛ فبينما يبدو المؤمنون بوجوده أقل ريبة تجاه المشاهدات المزعومة، يرى العلماء أن هذه التقارير لا تعدو كونها أخطاءً في تحديد هوية حيوانات معروفة، تفاقمت بسبب ظروف الإضاءة السيئة وقوة الإيحاء.

تبرز رواية عام 1924 كواحدة من أكثر القصص استحقاقاً للتوقف؛ حيث ادعت مجموعة من عمال المناجم وقوع مواجهة مروعة مع مخلوقات ضخمة تشبه القردة بالقرب من "جبل سانت هيلين" في واشنطن. وصف العمال هجوماً شنه من أسموهم "رجال الغوريلا" على كوخهم، مما اضطرهم لإطلاق النار لإجبارهم على التراجع. ورغم اقتراح المتشككين بأن البيئة النائية والموحشة أثرت على تصورات العمال، إلا أن حادثة "آيب كانيون" (Ape Canyon) لا تزال تشكل حجر زاوية في مناقشات اللقاءات المزعومة.

صراع الصور والواقع على صعيد الأدلة الملموسة، تظل النتيجة "صفرية" حتى الآن. فأشهر قطعة دليل مرئية هي فيلم "باترسون-جيملين" المصور عام 1967 في كاليفورنيا، والذي يظهر مخلوقاً مشعراً يمشى على قدمين. ورغم زعم المصورين أنها أنثى "بيج فوت"، ينتقد المتشككون الجودة الرديئة للفيلم وسلوك المخلوق غير المبالي، فضلاً عن غياب أي أدلة تكميلية في موقع التصوير.

وفي عام 1977، حسم مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) الجدل حول عينات شعر كان يُعتقد أنها للوحش، ليخلص إلى أنها تعود "لفصيلة الأيائل". ورغم ذلك، يستمر الإصرار الشعبي على أن آثار الأقدام الضخمة والصور الضبابية هي إثباتات كافية.

يضع العلماء يدهم على نقاط ضعف جوهرية؛ فوجود مجتمع كبير من القردة غير المكتشفة يتطلب أدلة مادية مثل الرفات، أو الجثث، أو الحمض النووي (DNA)، وهو ما يفتقر إليه هذا الملف تماماً. كما أن "الجدوى البيئية" لوجود مثل هذه المخلوقات تبدو مشكوكاً فيها في ظل غياب الأعشاش أو مواقع التغذية. ويزداد الشك حدة مع حقيقة أن الجميع يمتلك الآن كاميرات هواتف محمولة، ومع ذلك لم تظهر صورة واحدة حاسمة تصمد أمام الفحص الدقيق.

وتعود المحاولات الرسمية لفك اللغز إلى عام 1976، حين طلب بيتر بيرن، مدير "مركز معلومات بيج فوت"، من مكتب التحقيقات الفيدرالي فحص 15 شعرة متصلة بقطعة جلد، واصفاً إياها بأنها "أول عينة ذات أهمية منذ ست سنوات". ورغم أن المختبر يركز عادة على التحقيقات الجنائية، إلا أنه وافق على الفحص بعد ضغط إعلامي من صحف كبرى. وبعد أشهر من المتابعة الموثقة، جاءت النتائج مخيبة للآمال؛ حيث سلم المكتب تقريره النهائي الذي أكد أن الأسطورة لم تكن سوى وهم، لتتبدد آمال "أكاديمية العلوم التطبيقية" والباحثين في العثور على دليل بيولوجي حقيقي.

يظل لغز "بيج فوت" معلقاً في تلك المنطقة الرمادية بين الأسطورة والواقع؛ فبينما يرى المؤمنون بوجوده في "آيب كانيون" وفيلم "باترسون-جيملين" أدلة لا تقبل الشك على وجود هذا الكائن الضخم، تظل المؤسسات العلمية والرسمية — وعلى رأسها مكتب التحقيقات الفيدرالي متمسكأ بلغة الأرقام والعينات البيولوجية التي لم تثبت حتى الآن سوى وجود "أيائل" أو حيوانات معروفة.

إن غياب الأدلة المادية الملموسة من رفات أو حمض نووي، وفشل الكاميرات الحديثة في التقاط صورة واحدة حاسمة، يضع فرضية وجود مجتمع من هذه القردة في مأزق علمي حقيقي. ومع ذلك، يبدو أن سحر "بيج فوت" لا يستمد قوته من الحقائق، بل من تلك الرغبة الإنسانية الأزلية في الاعتقاد بأن الغابات العميقة لا تزال تخبئ أسراراً لم تكتشفها الحضارة بعد؛ ليبقى "ساسكواتش" وحشاً عصياً على الإثبات، ولكنه حيٌّ في ذاكرة المغامرين وقصص الباحثين عن المجهول.