منذ آلاف السنين، شغلت فكرة التواصل مع الأرواح خيال البشر، وظهرت طقوس شاذة يزعم أصحابها أنهم يستطيعون التواصل مع أرواح الموتى والذهاب إليهم في العالم الآخر! وعلى الرغم من الرسالات السماوية أجمعت على أن الروح من أمر الله تعالى، إلا أن هذه الظاهرة استمرت منذ العصور القديمة واتخذت أشكالا وأدوات جديدة في العصر الحالي.. في هذا التقرير، نحاول الاقتراب من الحقيقة، وفهم ما وراء هذه الطقوس من زوايا مختلفة (دينية، نفسية، علمية، وتاريخية).

في البداية، يشير مفهوم استحضار الأرواح إلى الاعتقاد بإمكانية التواصل مع أرواح الموتى من خلال (وسيط روحي). هذه الفكرة موجودة في ثقافات كثيرة، لكنها اكتسبت شهرة كبيرة في الغرب خلال القرن التاسع عشر مع حركة تُعرف باسم Spiritualism.

وقد بدأت جلسات تحضير الأروح كظاهرة حديثة مع الأخواتFox Sisters في الولايات المتحدة، حيث ادعين التواصل مع أرواح عبر أصوات مخيفة، وانتشرت الجلسات الروحية (séances) في أوروبا وأمريكا، وكان يحضرها مثقفون وعلماء وحتى سياسيون. لكن مع الوقت كشفت الكثير من الصحف والتقارير والتحقيقات الاستقصائية أن الكثير من هذه الجلسات كانت عبارة عن خدع بصرية وصوتية تتم باستخدام وسائل بسيطة.

كان استخدام أجزاء من الجسد يُعدّ حجر الأساس في استحضار الأرواح، إذ كان يُعتقد أنه يمكن مخاطبة الروح من خلال بقايا الجسد، خاصةً جثث الموتى حديثًا. وكان يُظنّ أن كلما كانت الجثة أحدث، كانت وسيلة التواصل مع الميت أوضح. وكقاعدة عامة، لم يكن الجسد يُستخدم كوسيط بعد مرور السنة الأولى على الوفاة.

بدلًا من ذلك، كان مستحضر الأرواح يستدعي روح المتوفى بطرق مختلفة، تتراوح بين تعاويذ بسيطة وطقوس معقدة قد تستمر لعدة أيام. وفي أقصى درجات هذه الممارسة، كان المستحضر يحيط نفسه بالموت؛ فيرتدي ملابس مأخوذة من الجثث، ويتناول طعامًا وشرابًا فاسدًا أو متعفنًا، بل وقد يصل الأمر إلى أكل لحم الموتى.

مع صعود حركة الروحانية (Spiritualism) في القرن التاسع عشر، تطوّر شكل أكثر “لطفًا واعتدالًا” من استحضار الأرواح. فبدلًا من استخدام الجثث، أصبح الوسطاء الأحياء يعملون كقنوات للتواصل مع الموتى. ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا إلى إنهاء استخدام الرفات البشرية في فنون استحضار الأرواح، كما لم يُنهِ استمرار الطقوس الاحتفالية لاستدعاء الموتى.

وفي عام 1970، نشر بول هوسون عمله الشهير والمثير للجدل “إتقان السحر” (Mastering Witchcraft)، وهو كتاب استُقبل بالرفض من قبل بعض أتباع الويكا كما من قبل المسيحيين. وفيه، يضع هوسون أساس ممارسة “السحر التقليدي” غير المقيّد بما يُعرف في الويكا بـ“قانون الثلاثة”.

ينص هذا “القانون” على أن أي طاقة يطلقها الإنسان في الكون ستعود إليه مضاعفة ثلاث مرات، وهو ما يتضمن ضمنًا رفض ممارسة السحر الأسود. أما عمل هوسون، مثل معظم تقاليد السحر التقليدي، فقد دعم فكرة أن الساحر يجب أن يمتلك القدرة على الشفاء والقتل معًا، وهو ما اعتبرته الويكا مرفوضًا تمامًا، خاصةً لأنها كانت—ولا تزال—تسعى إلى القبول والاندماج في المجتمع السائد.

وفي الثقافة المصرية، شهدت بعض الأعمال السينمائية القديمة تجسيد هذه الظاهرة، لعل أشهرها فيلم "أم رتيبة" (إنتاج 1959)، ويعد من أشهر أفلام الكوميديا في زمن الأبيض والأسود التي تناولت دجل تحضير الأرواح. حيث قامت ماري منيب بدور "أم رتيبة"، التي يحاول شقيقها المتسلط (استيفان روستي) السيطرة عليها وعلى حياتها من خلال إيهامهم بعودته بعد مماته عبر جلسات تحضير الأرواح.

التفسير النفسي

الكثير من علماء النفس وأستاذ الطب النفسي الذين تواصلنا معهم نفوا تماما علمهم بهذه الظاهرة، وبعضهم رفض الحديث معنا، لكن الدكتور أحمد رفعت، استشاري الطب النفسي، أكد لنا أن الطبيب النفسي يجب أن يكون على وعي كامل بالظواهر والمستجدات على تطرأ على المجتمع، وما حقيقة هذه الظواهر التي تختلط بالدجل والشغوذة، خاصة وأن هناك ضحايا نفسيون يأتون إلينا بسبب هذه الطقوس والممارسات اللاواعية، والحقيقة أنا أرى أن علم النفس يقدم تفسيرات قوية لما يسمى "بتحضير الأرواح"، حيث أن هذه الظاهرة تعتمد على 3 عوامل، العامل الأول هو تأثير الإيحاء (Suggestion)فعندما يدخل الشخص جلسة وهو متوقع حدوث شيء غامض، يبدأ عقله بتفسير أي صوت أو حركة على أنها دليل أو انعكاس لهذا الشيء، وبالتالي يشعر بأن بالفعل روح تتحرك في الغرفة وهو كلام غير حقيقي، ثانيا ظاهرة الحركة اللاواعية مثل استخدام لوح الويجا (Ouija board)، حيث تتحرك اليد دون وعي بسبب ما يُعرف بـ Ideomotor Effect ، وفي هذا الحالة يظن الشخص أن الروح التي تم تحضيرها هي التي تتولى تحريك يديه وأصابعه وأعضاء في جسده، وهو شعور وهمي في الأساس، أما العامل الثالث فيتمثل في الرغبة في التواصل، بمعنى أن الإنسان بطبيعته يسعى للتواصل مع من فقدهم، وهذا يولد: تفسيرات عاطفية لأي تجربة غريبة، فضلا عن إحساس زائف بوجود “رسالة” من الراحلين.

ويضيف رفعت أن العلم لا يدعم فكرة استحضار الأرواح كحقيقة مثبتة: فلا يوجد دليل تجريبي موثوق على وجود تواصل مع الموتى، كما أن معظم التجارب يمكن تفسيرها بخدع، أو أخطاء إدراكية. كما أن مؤسسات مثل James Randi Educational Foundation عرضت جوائز ضخمة لأي شخص يثبت قدرات خارقة في هذا الأمر ولم ينجح أحد. واتضح فيما بعد أن الدجالون يعتمدون على أصوات مخفية أو تسجيلات، وتحريك الأشياء بخيوط غير مرئية، واستخدام الظلام لإيهام الحضور، والتلاعب بالجسد عبر الإيهام بحركات عشوائية. ولهذا نحن نحذر من خطورة مثل هذه الجلسات أو الممارسات تتمثل في الإصابة بالقلق والاضطرابات النفسية، والتعلق وهمي بعالم غير موجود، والاستغلال المادي من قبل الدجالين، وأخيرا حالات هلع أو وسواس.

رأي الدين

لا شك أن الرسالات السماوية أكدت على الروح من الأمور الغيبية، وأنه ليس من الجائز الخوض فيها، في هذا الإطار يقول فضيلة الشيخ أحمد سالم، إمام وخطيب بالأوقاف، أن مسألة (الروح) من الأمور الغيبية التي اختص الله سبحانه وتعالى نفسه بها، حيث قال جل شأنه في سورة الإسراء: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا" [الإسراء:85]، فالروح إذن من أمر الله، ومن هذا المنطلق فإن ما يسمى تحضير الأرواح غير جائز شرعاً. فالغيب من اختصاص الله وحده، والإسلام يقرر أن عالم الأرواح من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، كما في القرآن: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:26-27] وقال سبحانه في سورة النمل: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ الآية [النمل:65]. ولذلك فادعاء التواصل مع أرواح الموتى يُعد ادعاءً لعلم الغيب. ومن ناحية أخرى يرى العلماء أن ما يُسمى بتحضير الأرواح ليس تواصلاً حقيقيًا مع الموتى، بل قد يكون: خداعًا أو حِيَلًا نفسية أو تواصلاً مع الجن الذين قد يتقمصون شخصية الميت لخداع الناس، وفي هذا الإطار نهى الإسلام عن السحر والكهانة خاصة وأن

ما يسمى تحضير الأرواح يرتبط غالبًا بأعمال السحر أو الكهانة، وهي محرّمة في الإسلام تحريمًا شديدًا. وقد حذر النبي ﷺ من تصديق الكهّان أو العرّافين، حيث أن هذه الممارسات قد تفتح باب الشك والضلال، وتُضعف التوحيد، لذلك يُمنع الاقتراب منها.

لوح الويجا

تتنوع طقوس استحضار الأرواح بين ثقافات مختلفة، لكن أشهرها يعتمد على استخدام أدوات مثل "لوح الويجا" أو جلسات تحضير الأرواح التي تُقام في أجواء مظلمة، حيث يجلس المشاركون في دائرة ويحاولون التواصل مع كيان غير مرئي عبر أسئلة وإشارات. ولوح الويجا (Ouija) هو أداة مسطحة تعود لأواخر القرن الـ 19، تحتوي على أحرف وأرقام وكلمات ("نعم"، "لا"، "وداعاً")، تُستخدم في جلسات تحضير الأرواح المزعومة للتواصل مع الموتى عبر مؤشر متحرك. يُسوق لها كلعبة، لكن يُفسر تحركها علمياً بـ "الحركة اللاشعورية" للمشاركين، بينما يُحرمها شرعياً كونها من باب إتيان العرافين.

المؤمنون بهذه الطقوس يرون أنها وسيلة حقيقية للتواصل مع أرواح الموتى أو كائنات من عالم آخر، ويستندون إلى تجارب شخصية يصفونها بأنها “لا يمكن تفسيرها”. بعضهم يؤكد تحرك الأجسام دون لمس، أو سماع أصوات غامضة، أو تلقي رسائل غير مفهومة.!

يعود أصل هذه اللعبة لقديم الزمان عندما قام بعض السحرة بتحضير جن يسمي ‘خادم الأرقام’ أو ويجا ‘ouiaja والمقصود منها معرفة اجابات لبعض الأسئلة من خلال خادم الحروف الذي يبدأ في الظهور

بعد ذكر الكلمات اللازمة لإحضاره وفي قديم الزمان تطلب ممارسة هذه العملية مجموعة من الأوراق الصغيرة والمنقوش عليها الحروف كلها بدءا من الألف… وإلي الياء والارقام من ‘صفر إلي تسعة’ بالأضافة لثلاث أوراق أخرى منقوش عليها كلمة ‘نعم، لا، الوداع’ ويتم وضع الأوراق.