يبرز فن الزار المصري كفن شعبي له جذور تاريخية، ويعتبر وسيلة للبحث عن الراحة النفسية والتواصل الثقافي، ويجذب جمهوراً محلياً وعالمياً، بعيداً عن ارتباطه بالخرافات والأساطير التي أُشيعت عنه بوصفه وسيلة لاستخراج الأرواح الشريرة.. في السطور التالية نظم فريق عمل موقع "مورستان" زيارة لواحدة من أهم فرق الزار الشعبي في مصر، وهي فرقة "مزاهر" والتي تقدم هذا الفن في مركز “مكان” بشارع سعد زغلول بوسط البلد بالقاهرة.. في هذا المكان يتم تقديم الزار كأحد فنون الأداء الموسيقي حيث تتداخل أصوات الدفوف مع الطبول وبقية الآلات لتقدم سيمفونية متكاملة ذات ألحان خاصة جدا.

 

صورة من الزار
في البداية، الزار فن شعبي له جذور حبشية، وانتقل إلى مصر ليصبح جزءاً من التراث الشعبي. وهناك فرق متنوعة تقدم هذا الفن منها فرقة "أبو الغيط" الخاصة بمدائح النبي صلى الله عليه وسلم، وفرقة الطنبورة، وفرقة "الصعيدي" التي تتكون غالباً من النساء. معظم الممارسين اليوم ورثوا هذا الفن عن أجدادهم، حيث تعلموا إيقاعات الطبول والموسيقى كما كانت تُمارس في الماضي.

الزار الآن جزء من التراث الثقافي المعترف به من وزارة الثقافة، ويشارك فيه العديد من الفنانين والمشاهير والبلوجرز.

ويظل الزار فنًا مصريًا أصيلًا يجمع بين الموسيقى والتراث والراحة النفسية، بعيدًا عن الخرافات والأساطير التي شوهت صورته في الإعلام والسينما. من خلال الطبول والإيقاعات والغناء، يقدم الزار تجربة فنية حية تعكس ثقافة الأجداد، وتربط الماضي بالحاضر، وتؤكد أن الفن الشعبي قادر على البقاء والتأثير في النفوس والجماهير، سواء محليًا أو عالميًا.

لكن فرقة مزاهر هي الأكثر شهرة وانتشاراً حيث تقدم الزار الذي يعتمد على الموسيقى والإيقاعات كوسيلة للتفاعل الجماعي. وتضم الفرقة مجموعة من العازفين والمطربين، بعضهم يمسك الطبلة، وآخر يعزف الطنبورة، والبعض الآخر يشارك بالغناء أو الإيقاعات المختلفة.

مركز مكان

تأسست الفرقة تحت مظلة المركز المصري للثقافة والفنون (مكان)، بهدف الحفاظ على هذا اللون الموسيقي الذي ارتبط تاريخيًا بطقوس شعبية ذات طابع روحي ونفسي. وتتميز الفرقة بتكوينها الفريد، إذ تقودها مجموعة من السيدات اللواتي يُعتبرن من آخر الممارسات لفن الزار في مصر، ما يمنح عروضها طابعًا أصيلًا يصعب تكراره.

تعتمد “مزاهر” في عروضها على مزيج من الإيقاعات القوية والغناء الجماعي، حيث تستخدم آلات تقليدية مثل الدفوف والطبول لإنتاج أنماط إيقاعية متداخلة تأخذ الجمهور في تجربة سمعية وبصرية مختلفة. وتستمد الفرقة مادتها الفنية من عدة أنماط للزار، من بينها الزار المصري والصعيدي، إلى جانب التأثيرات السودانية والأفريقية، وهو ما يعكس عمق هذا التراث وتنوع جذوره.

وعلى الرغم من أن الزار ارتبط في الماضي بطقوس علاجية شعبية تهدف إلى التفريغ النفسي أو التعامل مع ما كان يُعتقد أنه مسّ روحي، فإن “مزاهر” نجحت في تقديمه بصيغة فنية معاصرة، تنقل هذا الموروث من الإطار الطقسي المغلق إلى خشبات المسارح، دون أن تفقده روحه الأصلية.

فن شعبي

وقد ساهمت الفرقة في التعريف بهذا الفن محليًا ودوليًا، من خلال مشاركاتها في عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية، لتصبح واحدة من أهم الفرق التي تعمل على توثيق وصون هذا التراث المهدد بالاندثار.

في ظل هذه الجهود، تظل فرقة مزاهر نموذجًا حيًا لقدرة الفن الشعبي على الصمود وإعادة تقديم نفسه للأجيال الجديدة، مؤكدة أن التراث ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل حاضر يُعاش ويُعاد اكتشافه

من جانبه، قال إمام أبو سمرة، عازف الطنبورة بالفرقة: "كل واحد في الفرقة له دوره، هناك من يطبل، وهناك من يغني، وهناك من يصفق، كما أن هناك من يمسك المزهر، كله يكمل بعضه".

وأضاف أبو سمرة أن الممارسة لا تتعلق بالشعوذة والدجل واستخراج الأرواح الشريرة كما كان يتم الترويج لذلك قديما في الأفلام والمسلسلات، بل إن هذا الفن يوفر راحة نفسية واسترخاء للمشاركين، لكن الذي ساهم في تشويه الزار هو الأفلام والكتب والقصص التي نقلت معلومات مغلوطة تماما عن هذا الفن".

أما سيد أحمد، وهو أحد أعضاء الفرقة، فقد وصف التجربة بأنها تشبه الاستماع لموسيقى أم كلثوم أو عبدالحليم، حيث تمنح الطمأنينة والهدوء النفسي. إن زوار الزار كثيرًا ما يشعرون بالتحسن النفسي بعد المشاركة في الجلسات، ويكررون الزيارة سنويًا لتحقيق هذا الشعور. كما أن الفرقة تابعة لوزارة الثقافة ولها تنظيم رسمي ونقابة، وتدفع الضرائب على المكان، ما يعكس احترافية الممارسة واستمراريتها كفن شعبي.

الست صباح

وتذكر الست صباح، إحدى عضوات الفريق، أن الزار اليوم يحظى بجمهور محلي وعالمي، من العرب والأجانب على حد سواء. بعض الحاضرين يأتون من السعودية والإمارات والمغرب وتونس والصين واليابان، ويستمتع الجميع بالإيقاعات والموسيقى والغناء. وأكثر من يحبون هذا الفن العرب والأوروبيون وقد سافرنا بلدانا كثيرة لتقديم العروض في هذا الدول، وهذا الفن بعيد كل البعد عن أي ارتباط بالأساطير، فهذه كانت مجرد خرافات تم تضخيمها في الأفلام والمسلسلات.

 

صورة من الزار