في الموروثات الشعبية يقولون إن العين فلقت الحجر في إشارة إلى وجود قوة خفية تسمى "الحسد"، ورغم اعتراف الأديان والرسالات السماوية بالحسد وذكره في القرآن الكريم، إلا أن الكثيرون أساءوا تفسير هذه الطاقة السلبية والتي تحولت إلى ما يشبه الشماعة التي نعلق عليها أخطاءنا أحيانا.. وبين التفسير الدين والاجتماعي والنفسي لهذه الظاهرة يبقى الحسد واحدا من الموضوعات المثيرة.. فهل هناك قوة خفية تمتلكها العين فعلا أم أن الحقد لها مفعول السحر في الآخرين.. تعالوا نستكشف الحقيقة في سطور هذا التقرير.
أرواح وأشباح
في ربيع عام 1950، صعد الكاتب الصحفي المصري الشهير محمد زكي عبد القادر إلى المنبر ليلقي خطبة كانت حديث النخبة. كان في أوج تألقه وأناقته، يوزع الكلمات كالعطر في الأرجاء. وفجأة، ومن وسط نظرات الإعجاب والهمسات، سقط الرجل صريعاً بنزيف في المخ تسبب له في شلل نصفي مفاجئ.
هذه الواقعة التي يوثقها الأديب أنيس منصور في كتابه "أرواح وأشباح"، لا تُطرح هنا كقصة رعب، بل كمدخل لسؤال إنساني عميق: هل يمكن لنظرة بشرية، مشبعة بالانبهار أو الحقد، أن توقف مسار حياة كاملة؟ وهل نحن مجرد أهداف هشة أمام "سهام" العيون؟
التفسير النفسي: مرض من أمراض القلوب
تقول د. ماجدة فضل، استشاري علم النفس التربوي، إن الحسد مرض قاتل، والحسد يعني حالة نفسية سلبية تنظر للواقع بعين كارهة من أجل المقارنة، فأنا أرى أنني أحسن شخص يحصل على هذه النعم والميزات التي عند فلان، وبالتالي يتمنى زوال النعمة عن هذا الشخص، وهذا في حد ذاته مرض نفسي من أمراض القلوب، وبالتالي علينا أن نجاهد هذا المرض وأن ننظف قلوبنا من أي مشاعر سلبية، ولماذا أنظر لحياة غيري وما في أيدي غيري، وهذا المرض يأتي بسبب قلة الإيمان والرضا والسخط، ومن إساءة الأدب أن أعترض على هذه القسمة، والحاسد دائما لا يحب الخير للآخرين وهذا يظهر في تعبيراته وطريقة نظراته، لكن هذا لا يعني أن يتحول الحسد لشماعة، فلا يجب أن أركن إلى هذا الجانب السهل والبسيط، فليس معنى أنني فشلت في الامتحان أنني محسود، وإنما يجب أن أسعى وأن أحاول.
وتذكر د. ماجدة أن من صفات الحاسد النظرة التشاؤمية والسلبية الدائمة والقدرة على تصدير الطاقة السلبية للآخرين، والشعور الدائم بالنقص، أما أعراض المحسود فتتمثل في الطاقة السلبية التي تنتقل إليه نتيجة محاصرة مشاعر الحقد والحسد له، وشعور بضيق نفس وغياب النشاط وعدم الرغبة في العمل، والتغلب على ذلك يتطلب الإيمان بالله والنظر للأشياء الإيجابية وأن أشغل نفسي بالعمل والعلم وأن أشغل نفسي بحياتي أكثر.
وتضيف أن الحسد والحقد لا ينتقلان كقوة خفية تصيب الآخر بشكل مباشر، بل يعملان عبر سلوكيات وتفاعلات اجتماعية ملموسة. الشخص الذي يحمل هذه المشاعر قد يُظهر نقدًا مستمرًا، تقليلًا من شأن الآخرين، أو حتى سلوكيات عدائية غير مباشرة مثل التجاهل أو نشر الشائعات. هذه التصرفات تؤثر فعليًا على الحالة النفسية للطرف الآخر، فتسبب له توترًا أو فقدان الثقة بالنفس.
اختراق الحواجز
الحسد في موروثنا ليس مجرد شعور عابر، بل يُنظر إليه كـ "طاقة" قادرة على اختراق الحواجز. ومن خلال تأملنا للواقع الاجتماعي، نجد أن هذه القوة المزعومة تتجلى في ثلاثة صور توجع الروح والجسد:
• الوهن الجسدي: ذلك الخمول الذي يغزو جسد الناجح فجأة دون تفسير طبي واضح، وكأن "ثقل" نظرات الآخرين قد استقر في مفاصله.
• تصدع المادة: ما نسميه شعبيًا "فلق الحجر"، حيث تتعطل السيارة الجديدة أو ينهار الهاتف الذكي فجأة، وهي حوادث يربطها الوعي الجمعي بلحظة "انبهار" لم تذكر اسم الله.
• الانكسار النفسي: عندما يتحول الشغف إلى نفور، ويشعر الإنسان بضيق في صدره تجاه النجاح الذي كان يسعى إليه، وهو ما يفسره البعض بـ "تلوث" حالته النفسية بطاقات سلبية خارجية.
ماذا يقول علم الاجتماع؟
من الناحية الاجتماعية، يرى خبراء وأساتذة علم الاجتماع أن الحسد من الظواهر الاجتماعية الخطيرة، والتي تكشف عن غياب الرضا والسلام النفسي والاجتماعي وانعدام المحبة وانتشار الأحقاد ورفض الآخر، ويؤكد الدكتور أحمد عبدالتواب، أستاذ علم الاجتماع، أن الحسد من القضايا التي تشغل أصحاب النجاحات أكثر من أصحاب التجارب الفاشلة، فالإنسان الناجح أصبح يخشى من نشر نجاحاته أو الحديث عنه ودائما يحاول أن يخفي هذه النعم عن الآخرين، فلم تعد "العين" محصورة في المقاهي والبيوت، بل انتقلت لتعيش معنا في خوارزميات "إنستغرام" و"تيك توك". إن استعراض النعم المستمر خلق حالة من القلق الاجتماعي الرقمي، وهذا ما يمكن أن نفسره في لجوء المشاهير لإخفاء وجوه أطفالهم بـ "ملصقات" ما يعكس أن التكنولوجيا لم تقتل الخوف القديم، بل وفرت له مسرحاً أوسع. المنصات الرقمية تحولت إلى ساحة لـ "المقارنة الظالمة"، حيث يرى المتابع "النهايات السعيدة" لغيره دون أن يرى "الكواليس المتعبة"، مما يولد حقداً تلقائياً مدفوعاً بالحرمان.
ويضيف عبدالتواب أن نموذج الشخص الحاسد أصبح متكررا جدا وأكثر بجاحة في التعبير عن نفسه، فهو شخص ناقم وساخط اجتماعيا ولا يشعر بالرضا مطلقا، ودائما يراقب حياة الآخرين ويشعر الغضب عندما يرى أثر النعمة على زميل له، وهذا في الحقيقة نوع من أنواع الأمراض الاجتماعية القاتلة، ومن أجل أن نحمي أنفسنا من هذه الروح الشريرة يجب الإيمان بوجود "العين" (الذي تؤكده النصوص الدينية) لكن ذلك لا يعني إلغاء "السبب والمسبب". إذا تعطلت سيارة، فافحص المحرك أولاً. إن تعليق كل إخفاقاتنا على "شماعة الحسد" هو هروب من المسؤولية الشخصية. ثانيا ثقافة الكتمان الواعي: النصيحة النبوية "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" ليست مجرد خوف من الحسد، بل هي ممارسة نفسية ذكية للحفاظ على الخصوصية والتركيز على الهدف بعيداً عن "ضجيج" التوقعات الخارجية.
المعنى الشرعي: زوال النعمة
الدكتور محمد عبدالسميع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، يؤكد أن الحسد في الشرع يعني تمني زوال النعمة عند الغير، فالحسد موجود والقرآن الكريم دل على وجوده، والرسول الكريم قال إن العين حق، إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر) ولكن رغم وجود الحسد إلا أن اتقاءه أو الوقاية منه أمر سهل، وذلك بالأذكار والأوراد، أما الشخص الحاسد فيجب أن يجنب الناس هذه القدرة السلبية التي بداخله، بأن يقول بسم الله ما شاء الله الله أكبر عندما يرى أثر نعمة على شخص ما، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أما الشخص المحسود فعليه أن يتقي الحسد بالأذكار، قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس، قل هو الله أحد، لكن ذلك ليس معناه أن يتخذ الناس من الحسد كشماعة يعلقون عليها أخطائهم وفشلهم في الحياة، وإنما يجب أن يكون هناك سعي مستمر وأن يتوكل الإنسان على الله وألا يترك نفسه لأي مشاعر سلبية.
موضوعات مرتبطة
باراسيكو
رسائل التخاطر تثير فضول العلماء.. هل تنتقل الأفكار بين العقول فعلاً؟
التخاطر هو نقل الأفكار والمشاعر بين الأفراد دون استخدام الحواس التقليدية أو وسائل التواصل المعروفة. وبين من يؤمن به كقدرة خارقة، ومن يرفضه باعتباره خيالًا أو خدعة نفسية، يبقى التخاطر موضوعًا
باراسيكو
أسطورة كاذبة أم وسيلة آمنة للفضفضة.. ماذا يحدث داخل جلسات التنويم المغناطيسي؟
"بص في عيني كويس.. ركز أكثر في نظراتي.. يلا نام" ، تلك هي الجمل الكلاسيكية المحفورة في أذهاننا عن التنويم المغناطيسي والتي نُقلت إلينا عن طريق الأعمال السينمائية وبعض الفقرات في السيرك المصر
باراسيكو
التفسير العلمي للجاثوم.. ما حقيقة الشبح الذي يكتم أنفاسنا أثناء النوم؟
يُعد شلل النوم، أو ما يُعرف شعبيًا بـ“الجاثوم”، من أكثر التجارب الغامضة التي يمر بها الإنسان، حيث يستيقظ الشخص فجأة ليجد نفسه عاجزًا عن الحركة أو الكلام، مصحوبًا أحيانًا بهلاوس مخيفة ورؤى وك
باراسيكو
هلاوس وكائنات وهمية تسير على الجدران.. ماذا يرى مريض "الذُهان" في عالمه الخاص؟
حالة من الخلل تضرب المخ عندما يصاب الشخص بمرض "الذهان" وهو واحد من الاضطرابات النفسية الخطيرة، حيث يرى المريض هلاوس وخيالات وأشباح مخيفة وكائنات وهمية تسير على الجدران، كما يدخل في حالة انفص