التخاطر هو نقل الأفكار والمشاعر بين الأفراد دون استخدام الحواس التقليدية أو وسائل التواصل المعروفة. وبين من يؤمن به كقدرة خارقة، ومن يرفضه باعتباره خيالًا أو خدعة نفسية، يبقى التخاطر موضوعًا مثيرًا للجدل بين العلم والماورائيات.. في سطور التقرير التالي سألنا أشخاص عاديين وخبراء لنعرف هل ينبع التخاطر من حقيقة علمية فعلا أم أنه مجرد وهم يثير العقول.

رسائل ذهنية واعية أم صدفة؟

الكثير من الأشخاص العاديين يعتقدون أن التخاطر يحدث فعلا بين الأصدقاء الذين تربطهم صلات روحية أو بين الزوجين أو الأقارب أو التوائم، حيث يصبح في مقدورنا أحيانا أن نرسل رسائل ذهنية للآخرين عندما نفكر فيهم، وقد يستجيب هؤلاء للنداء وربما لا.. ورغم حدوث هذا الأمر إلا أن البعض يعتقدون أنها مجرد صدفة.

في هذا الإطار يقول وليد أحمد (34 سنة) بكالوريوس تجارة: المثل يقول من القلب للقلب رسول، فعلا أحيانا أفكر في شخص مقرب لي فأجده يتصل بي، وأحيانا أيضا أمسك الموبايل حتى أتصل بشخص معين فأجده يبادر بالاتصال بي، والحقيقة أن هذه الأشياء قد تحدث بالصدفة، لكن المشكلة أنها تتكرر بكثرة مما يعني فعلا أن التخاطر يمكن أن يكون حقيقة فعلا، لكن هذه الأمور لا تحدث إلا مع الشخص الذي أشعر تجاه بعاطفة أو أقوم بالتواصل معه بشكل مستمر.

أما أحمد حسام (26 سنة) بكالوريوس إعلام، فيؤكد أن التخاطر موجود فعلا، خاصة بين الأشخاص الذين تربطهم علاقة عاطفية أو روحية، فهو عبارة عن "كيميا" أو تجاوب بين شخصين، وبفضل هذا التجاوب يحدث التخاطر، لكن الغريب أنه يتم بشكل غير مقصود، بمعنى أنني لو أردت أن أتعمد إرسال رسالة لزوجتي مثلا عن طريق التخاطر فإنها غالبا لا تستجيب للرسالة، لكن إذا كنت أفكر فيها بالصدفة وأريد أن أتواصل معها لأمر هام وأنا في نطاق العمل مثلا فإنها تبادرني بالاتصال وكأن الأمر مجرد صدفة!

وترى أحلام جمال (47 سنة) ربة منزل، أن التخاطر ليس أمراً حقيقياً، ولا تؤمن به، وتؤكد أنه مجرد وهم، وأن ما يحدث من تواصل بينها وبين الآخرين أحيانا إنما هو بمحض الصدفة، وتضيف: أنا مؤمنة جدا بالأحلام والرؤى الصالحة، أيضا ما الحاجة للتفكير في التخاطر طالما أن هناك موبايلات ووسائل حديثة للتواصل!

رأي علم النفس

علماء النفس لا يؤمنون غالبا بموضوع التخاطر، هذا ما يؤكد الدكتور أحمد عادل، أستاذ علم النفس بآداب حلون، حيث يرى أن علم النفس يتعامل مع الظواهر التي يمكن إثباتها والتأكد من صدقها وصحتها، لكن هناك موضوعات الماورائيات يدرسها تخصص يسمى "الباراسيكولوجي" أو ما يسمى ما وراء علم النفس الطبيعي، حيث أن هذا التخصص يرى بالفعل أن التخاطر يرتبط بما يسمى بـ"الإدراك خارج الحواس"، وهو مجال حاول العديد من الباحثين دراسته لفهم ما إذا كان بإمكان العقل البشري التواصل بطرق غير مرئية. وقد ظهرت محاولات علمية مبكرة لدراسة هذه الظاهرة، أبرزها تجاربGanzfeld Experiment التي أُجريت لاختبار قدرة الأفراد على نقل الصور الذهنية فيما بينهم، حيث أشارت بعض النتائج إلى وجود نسب نجاح أعلى من الصدفة، بينما شكك علماء آخرون في دقة هذه النتائج.

ويضيف د. أحمد عادل أن علماء مثل ريتشارد وايزمان يرون أن التخاطر لا يستند إلى دليل علمي قاطع، وأن ما يحدث يمكن تفسيره بظواهر نفسية مثل التوقع، والتخمين، والصدفة. ويؤكد أن العقل البشري يميل إلى ربط الأحداث ببعضها حتى لو لم يكن هناك رابط حقيقي، كما تناولت تقارير صادرة عن جمعية علم النفس الأمريكية مسألة التخاطر، وأوضحت أن الأبحاث الحالية لا تقدم دليلًا موثوقًا يثبت وجوده، رغم استمرار الاهتمام به في مجالات علم النفس الشعبي والباراسيكولوجي.

أما الدكتور أحمد عبدالله، استشاري الطب النفسي، فيؤكد أن التخاطر يعد واحدا من الأوهام المسيطرة على بعض الأشخاص في الوقت الراهن، ويتم الترويج لها بشدة من خلال مراكز غير علمية تزعم أنه بالإمكان تدريب الشباب على التخاطر وممارسته كعادة يومية مع الآخرين، منها مثلا نصائح نشرها موقع إلكتروني شهير لشخص يدعي أنه مدرب على فنون التخاطر وهذه النصائح تقول (استرخي في مكان هادئ وخذ نفسا هادئا عميقا - استحضر فكرة معينة تود إيصالها للشخص المعني -استحضر الشخص أمامك أو تخيله حتى تراه، وإن لم تستطع تخيله أو رؤيته فقط اشعر به - خذ نفسا عميقا وأرسل الفكرة المحددة، بكل إيجابية وبكل أريحية وبكل ثقة بوصولها - اجعل الفكرة تدور في رأس المرسل له وكأنه يحدث بها نفسه وستأتيك إجابة منه أو ردة فعله واستشعرها- خذ نفسا عميقا وابتسم واشكر ربك ثم نفسك على تعاونها واشعر بسعادة أنك حققت شيئا جميلا).

ويضيف عبدالله أن الطب النفسي يتعامل أحيانا مع هذه الأمور من باب أنها هلاوس سمعية وبصرية، حيث يتصور أحد الأشخاص أنه يرسل رسالة لآخر أو أنه يتلقى رسائل من الآخرين دون استخدام الحواس أو أي وسيط خارجي كجهاز موبايل مثلا، ولهذا نحن نتعامل مع وقائع مثبتة علميا وليس مجرد خيالات يروج لها البعض.

الباراسيكولوجي

يرى عدد من الباحثين في مجال علم ما وراء النفس (Parapsychology) أن التخاطر ما يزال ظاهرة تستحق الدراسة، رغم عدم التوصل إلى إثبات علمي حاسم يثبت وجوده بشكل قاطع حتى الآن. ويؤكد هؤلاء أن التخاطر يُصنَّف ضمن الظواهر الإدراكية الخارجة عن نطاق الحواس التقليدية، إلى جانب الإدراك خارج الحواس والاستبصار والتأثير الذهني.

وخلال العقود الماضية، أُجريت العديد من التجارب العلمية التي حاولت اختبار إمكانية انتقال المعلومات بين الأفراد دون استخدام وسائل حسية معروفة، من بينها تجارب تعتمد على نموذج “المرسل والمستقبل”، بالإضافة إلى تجارب الغرفة المعزولة (Ganzfeld experiments) وقد أشارت بعض هذه الدراسات إلى وجود انحرافات طفيفة عن النتائج المتوقعة بالصدفة، وهو ما اعتبره بعض الباحثين مؤشرًا يحتاج إلى مزيد من البحث والتكرار.