دائماً ما نسمع عن قصص "العودة من الموت" ونعتبرها ضرباً من الخيال أو مجرد تخاريف ناتجة عن البنج، حتى التقينا بـ"الأستاذ رأفت"، محاسب متقاعد، هادئ الملامح، يسكن في محافظة السويس.. رأفت لم يكن يحكي أسطورة، بل كان يسرد وقائع عاشها في دقائق توقف فيها قلبه تماماً عن النبض، حيث انتقل إلى العالم الآخر، وفجأة عادت إليه الحياة مرة أخرى.. فماذا رأى في هذا العالم قبل أن يعود إلى الحياة الدنيا مجددا؟
يروي رأفت تفاصيل شديدة الغرابة عن قصة عودته إلى الحياة، حيث يقول: "كنت في غرفة الطوارئ، الألم في صدري كان كأنه جبل جاثم على أنفاسي. فجأة، انطفأ كل شيء. لم يعد هناك ألم، لم يعد هناك ثقل. شعرت بخفة غريبة، وفجأة وجدت نفسي أقف بجانب الطبيب الشاب الذي كان يصرخ في الممرضين لفتح جهاز الصدمات".
في هذه اللحظة، كان رأفت طبياً "ميتاً إكلينيكياً". لكنه في الحقيقة كان يرى أدق التفاصيل:
• رأى الممرضة وهي تتعثر في سلك الجهاز وتكاد تسقط.
• رأى بقعة قهوة قديمة على معطف الطبيب من الخلف.
• سمع بوضوح صوت بكاء زوجته في ممر المستشفى البعيد، وهي تقول لصهرها: "يا ريتني ما زعلته الصبح".
يقول رأفت: "كنت أريد أن أطبطب على كتفها وأقول لها إنني سامحتها، لكن يدي كانت تخترق الهواء كأنني سراب".
رأيت البرزخ: الضوء الذي يغسل الروح!
انتقل رأفت من غرفه المستشفى إلى "نفق" من السكينة، في آخره ضوء مبهر لا يشبه أضواء الدنيا. هناك، رأى شريطاً سريعاً لحياته، ليس كصور، بل كمشاعر.
ويضيف: "رأيت لحظة إطعامي لقطة جائعة منذ عشرين عاماً، شعرت بنفس الفرحة التي شعرت بها القطة وقتها. عرفت حينها أن العمل الصغير هو الذي يزن في ذلك المكان".
العودة القسرية والصدمة الطبية
بعد دقائق من الإنعاش، عاد النبض بجهاز الصدمات. فتح رأفت عينيه وسط ذهول الأطباء. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في عودته، بل فيما قاله للطبيب فور استرداد وعيه:
• "يا دكتور، بقعة القهوة اللي في ضهرك دي محتاجة تتغسل، والممرضة اللي اتكعبلت في السلك لازم تاخد بالها."
هنا ساد الصمت في الغرفة. الطبيب سأله بذهول: "كيف عرفت؟ أنت كنت غائباً تماماً عن الوعي وعيناك مغمضتان، ووجهك كان للجهة الأخرى!".
فأجاب رأفت أنه لا يعرف بالضبط ماذا حدث، لكنه كان يرى ويسمع أصواتا غريبة، وكان يبصر هذا العالم بينما كانت روحه في عالم آخر.
خرجتُ من لقاء الأستاذ رأفت وأنا أحمل تساؤلات أكثر من الإجابات. العلم يقول إنها "هلاوس كيميائية"، لكن كيف يرى الغائب عن الوعي تفاصيل مادية خلف ظهره؟
رأفت لم يعد يخشى الموت، بل أصبح يقدس الحياة. يقول لي في ختام حديثه:
"يا بنتي، الموت ليس نهاية، الموت هو إنك تخلع هدوم ثقيلة كنت لابسها، وتروح لمكان كله حب.. بس المهم ترجع ومعاك رصيد من الكلمة الحلوة".
هذا التحقيق ليس دعوة للإيمان بالغيبيات، بل هو توثيق لتجربة بشرية تتكرر في كل بقاع الأرض، تضع العلم في حيرة، وتضع قلوبنا أمام حقيقة واحدة: أن هناك ما هو أكثر مما تراه العيون.
التفسير العلمي
تثير قصص “العائدين من الموت” فضولًا واسعًا، حيث يروي أشخاص مرّوا بتجارب اقتراب من الموت لحظات استثنائية يقولون إنهم شهدوا خلالها ما يشبه الانتقال إلى “عالم آخر”. وبين الدهشة والتشكيك، يقف العلم محاولًا تفسير هذه الظاهرة المعروفة باسم تجارب الاقتراب من الموت (Near-Death Experiences).
تتكرر في هذه الشهادات ملامح متشابهة؛ إذ يتحدث البعض عن رؤية ضوء ساطع في نهاية نفق، أو الشعور بالسلام والانفصال عن الجسد، بينما يذكر آخرون استرجاع مشاهد من حياتهم في لحظات خاطفة. هذه الروايات، رغم اختلاف خلفيات أصحابها الثقافية والدينية، تحمل قواسم مشتركة لافتة دفعت الباحثين إلى دراستها بشكل منهجي.
في هذا السياق، يشير متخصصون في علم الأعصاب إلى أن هذه التجارب قد تكون نتيجة تفاعلات معقدة داخل الدماغ عند التعرض لنقص الأكسجين أو الصدمات الحادة. كما ترتبط أحيانًا بحالات مثل السكتة القلبية، حيث يتوقف القلب لفترة وجيزة قبل إنعاش المريض، ما يخلق ظروفًا غير اعتيادية للنشاط الدماغي.
من جهة أخرى، يرى بعض الباحثين أن هذه التجارب لا يمكن اختزالها بالكامل في التفسيرات البيولوجية، مشيرين إلى بعدها النفسي والإنساني العميق. فالكثير ممن مروا بها يؤكدون أنها غيّرت نظرتهم للحياة، وجعلتهم أكثر تقديرًا للوقت والعلاقات الإنسانية، بل وأقل خوفًا من الموت.
ورغم التقدم العلمي، لا تزال هذه الظاهرة تطرح أسئلة مفتوحة: هل ما يراه هؤلاء مجرد نشاط دماغي مكثف؟ أم تجربة وعي مختلفة لم تُفهم بعد بشكل كامل؟ الإجابات لم تُحسم بعد، لكن المؤكد أن “العائدين من الموت” يقدّمون نافذة نادرة لفهم اللحظات الأكثر غموضًا في التجربة البشرية.
في النهاية، تبقى هذه الشهادات عند تقاطع العلم والفلسفة، حيث تتداخل الحقائق البيولوجية مع التأملات الوجودية، لتؤكد أن الموت، رغم حتميته، لا يزال أحد أكبر ألغاز الحياة.
صور الموضوع
موضوعات مرتبطة
باراسيكو
رسائل التخاطر تثير فضول العلماء.. هل تنتقل الأفكار بين العقول فعلاً؟
التخاطر هو نقل الأفكار والمشاعر بين الأفراد دون استخدام الحواس التقليدية أو وسائل التواصل المعروفة. وبين من يؤمن به كقدرة خارقة، ومن يرفضه باعتباره خيالًا أو خدعة نفسية، يبقى التخاطر موضوعًا
باراسيكو
أسطورة كاذبة أم وسيلة آمنة للفضفضة.. ماذا يحدث داخل جلسات التنويم المغناطيسي؟
"بص في عيني كويس.. ركز أكثر في نظراتي.. يلا نام" ، تلك هي الجمل الكلاسيكية المحفورة في أذهاننا عن التنويم المغناطيسي والتي نُقلت إلينا عن طريق الأعمال السينمائية وبعض الفقرات في السيرك المصر
باراسيكو
التفسير العلمي للجاثوم.. ما حقيقة الشبح الذي يكتم أنفاسنا أثناء النوم؟
يُعد شلل النوم، أو ما يُعرف شعبيًا بـ“الجاثوم”، من أكثر التجارب الغامضة التي يمر بها الإنسان، حيث يستيقظ الشخص فجأة ليجد نفسه عاجزًا عن الحركة أو الكلام، مصحوبًا أحيانًا بهلاوس مخيفة ورؤى وك
باراسيكو
العين فلقت الحجر.. الحسد قوة خفية أم شماعة لتبرير الفشل؟
في الموروثات الشعبية يقولون إن العين فلقت الحجر في إشارة إلى وجود قوة خفية تسمى "الحسد"، ورغم اعتراف الأديان والرسالات السماوية بالحسد وذكره في القرآن الكريم، إلا أن الكثيرون أساءوا تفسير هذ