الكثير من المخدرات المصنوعة يمكن أن تنقل متعاطيها إلى ما يشبه العالم الآخر المسكون بالأشباح والعفاريت والمخلوقات المجنحة، حيث ينتقل المتعاطي إلى حياة أخرى لا يراها غيره، ويظل محاصرا بالأموات والأرواح الشريرة.. حبة الفيل الأزرق واحدة من أخطر أنواع المخدرات المسجلة ضمن هذا النوع من العقاقير، والتي تم تجسيدها في رواية وفيلم يحمل نفس الاسم للروائي أحمد مراد.. فماذا وراء حبة الفيل الأزرق؟ وكيف تنقل المتعاطين إلى هذا العالم الغريب؟

الجيل الجديد من هذه المواد التخليقية أصبح أكثر خطورة وتأثيرًا، حيث ظهرت بدائل لما يُعرف إعلاميًا بـ“حبوب الفيل الأزرق”، من بينها مواد مثل الفودو، والآيس، والشابو، والفلاكا، وLSD، والكبتاجون، ويتم طرحها في الأسواق غير الشرعية بأسعار أقل مقارنة بالمواد الأقدم، ما يسهم في سهولة انتشارها بين بعض الفئات.

أرواح وأشباح شريرة من عصور مضت

لكن تظل حبة الفيل الأزرق الأكثر خطورة، إن ما “يراه” المتعاطي أثناء تأثيرها لا يكون رؤية حقيقية، بل هلوسات ذهنية يخلقها الدماغ نفسه نتيجة اضطراب الإشارات العصبية. وغالبًا ما تختلف التجربة من شخص لآخر، لكن هناك أنماط شائعة يذكرها المتعاطون:

أحيانًا يرى الشخص أشكالًا هندسية معقدة وألوانًا متحركة تبدو وكأنها تتحول إلى أنفاق أو عوالم متداخلة. وقد يشعر بأنه ينتقل من “واقع إلى آخر” أو يدخل في فضاءات غريبة غير مألوفة.

وفي حالات أخرى، قد تظهر له كائنات أو أشخاص غير حقيقيين، ويتعامل معهم وكأنهم موجودون بالفعل، مع شعور قوي بأن ما يراه حقيقي تمامًا وليس وهمًا. هذا الإحساس يكون شديدًا لدرجة أن الدماغ يعطل التمييز بين الحقيقة والخيال.

كما يصف البعض شعورًا بـانفصال عن الجسد أو فقدان الإحساس بالزمن، بحيث يبدو الوقت مشوشًا أو متوقفًا، وقد يشعر الشخص وكأنه يعيش “تجربة خارج الواقع”.

ومن ضمن الحالات المتطرفة، أن يشعر المتعاطي أنه انتقل للعيش في بلاط ملك إنجلترا وأنه يواجه حالات اضطهاد، وثمة حالة أخرى لشخص رأى مخلوقات غريبة بأجنحة، في حين رأى ثالث أن روجه خرجت منه وانتقلت لجسد رجل كان يعيش قبل ألفي عام، ثم يعيش تجربة هذا الرجل كما لو كان الزمن عاد به للخلف ويبدأ يتصور تفاصيل الحياة الغريبة لدرجة أن يعيش هذا العالم الجديد بكامل تفاصيله!

التأثير النفسي.. مفعول أشبه بالسحر

في هذا الإطار يقول الدكتور محمد عبدالمحسن، أخصائي الطب النفسي، إن ما يُتداول إعلاميًا باسم “حبّة الفيل الأزرق” يشير غالبًا إلى مادة مخدِّرة قوية تُعرف علميًا باسم ثنائي ميثيل التريبتامين، وهي من المواد المُهلوسة الشديدة التأثير على الجهاز العصبي المركزي. ولذلك فإن من يتعاطاها ينتقل إلى ما يشبه العالم الآخر ويعيش حالة انفصال كامل عن الواقع.

ويضيف أن هذه المادة تعمل بشكل مباشر على مستقبلات السيروتونين في الدماغ، وهي نفس المنظومة المسؤولة عن الإدراك والمشاعر وتنظيم التفكير. عند تعاطيها، يحدث اضطراب مفاجئ في طريقة معالجة الدماغ للواقع، فيبدأ الشخص في رؤية وسماع أشياء غير موجودة فعليًا، أي ما يُعرف بالهلاوس السمعية والبصرية. وقد يشعر أيضًا بانفصال عن الواقع أو ما يُشبه “خروج الوعي من الجسد” بشكل وهمي. ومن أخطر آثارها أنها تُحدث تشوّهًا حادًا في الإدراك، حيث يختلط الواقع بالخيال بشكل كامل. وقد يدخل المتعاطي في حالة من الذعر الشديد، أو نوبات خوف وهلع، أو سلوك غير متوازن. وفي بعض الحالات، قد تستمر الاضطرابات النفسية حتى بعد انتهاء مفعول المادة، خاصة لدى من لديهم استعداد لاضطرابات نفسية.

ويذكر عبدالمحسن أنه إلى جانب التأثير النفسي، يمكن أن تؤدي إلى تسارع ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، واضطراب في التنفس. الأخطر من ذلك أن فقدان الإدراك اللحظي قد يدفع الشخص إلى سلوكيات خطيرة دون وعي، مثل إيذاء نفسه أو الآخرين، أو القيام بتصرفات متهورة. ورغم أن تأثيرها المباشر قصير نسبيًا، إلا أن تكرار التعاطي أو الجرعات العالية قد يؤدي إلى خلل في كيمياء الدماغ، وزيادة احتمالية الإصابة بالاكتئاب أو القلق أو اضطرابات ذهانية. بعض الدراسات تشير إلى أن التجارب الصادمة الناتجة عنها قد تترك آثارًا نفسية ممتدة حتى بعد التوقف.

عوالم وأزمنة مختلفة

ويقول أحمد طلعت، عضو مجلس نقابة الصيادلة، إن ما يُعرف بـ“حبوب الفيل الأزرق” يُباع بسعر قد يصل إلى 700 جنيه للقرص الواحد، موضحًا أنها مادة مخدِّرة لا تُتداول داخل الصيدليات، بل تُباع عبر تجار المخدرات، لكونها ليست دواءً معتمدًا أو مما يصفه الأطباء.

وأوضح أن تأثير هذه الحبوب يبدأ سريعًا، خلال نحو 20 ثانية من التعاطي، وقد يمتد لعدة ساعات تصل إلى ثلاث، حيث يُصاب المتعاطي بحالات من الهلاوس السمعية والبصرية. وقد تدفعه هذه الحالة إلى تخيّل عوالم وأزمنة مختلفة، يظن خلالها أنه يتفاعل مع أشخاص وأماكن غير موجودة في الواقع.

وأشار إلى أن الاسم العلمي المرتبط بهذه المادة هو “DMT”، وهي مركّب كيميائي مُصنَّع ينتمي إلى مشتقات التريبتامين، ويؤثر بشكل مباشر في كيمياء المخ، خاصة على النواقل العصبية والهرمونات المسؤولة عن الإدراك والشعور.

كما حذّر من خطورتها الشديدة، مؤكدًا أنها قد تُحدث تلفًا كبيرًا في خلايا المخ، وتؤدي إلى اضطرابات نفسية حادة. وذكر أن نسبة كبيرة من المتعاطين قد تصل إلى حد الإقدام على الانتحار أو محاولة ذلك، بينما يعاني آخرون من نوبات اكتئاب حادة.

وفي سياق متصل، أشار إلى أن مصر، مثل غيرها من الدول، تواجه تحديات متزايدة بسبب انتشار المخدرات التخليقية، التي ظهرت بشكل أوسع خلال النصف الثاني من القرن الماضي، مع إساءة استخدام التقدم العلمي في تصنيع مواد ضارة، على غرار بعض المواد المستخلصة أو المطوّرة من مركبات مثل المورفين والكوكايين والهيروين.

ضعف الرقابة

وأضاف أن دخول هذه المواد إلى بعض المجتمعات ارتبط، بحسب رأيه، بضعف الرقابة على الحدود في فترات سابقة، ما ساعد على تهريبها وتداولها خارج الإطار القانوني، خاصة قبل تشديد الإجراءات في السنوات اللاحقة.

وجاءت هذه التصريحات في سياق تعليق على حادثة أثارت جدلًا واسعًا، تتعلق بواقعة وفاة طفلة على يد والدتها، وهي صيدلانية، حيث أُشير إلى استخدام مادة مخدرة في الواقعة، وقد تناولتها التحقيقات في البداية على أنها حادث عرضي، قبل أن تتكشف شبهة جنائية، انتهت باعتراف المتهمة وتوجيه اتهامات رسمية لها، مع اتخاذ إجراءات بإيداعها في جهة طبية متخصصة لتقييم حالتها النفسية والعقلية.

وقد ربطت بعض التفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي بين هذه الواقعة وبين أعمال درامية تناولت موضوعات مشابهة، ما ساهم في زيادة الجدل حول القضية.

كما أُشير إلى أن هذه المواد تُعرف بأسماء متعددة في السوق غير المشروع، وتنتشر بشكل خاص بين بعض فئات الشباب، مع اختلاف أسعارها عالميًا حسب توافرها وظروف تداولها، مع التأكيد على أنها مواد محظورة دوليًا لما تسببه من أضرار بالغة على الصحة النفسية والعصبية.